ابن الجوزي
327
زاد المسير في علم التفسير
على البعث بقوله : ( إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة " فيكون " رفعا ، وكذلك في كل القرآن . وقرأ ابن عامر ، والكسائي " فيكون " نصبا . قال مكي بن إبراهيم : من رفع ، قطعه عما قبله ، والمعنى : فهو يكون ، ومن نصب ، عطفه على " يقول " ، وهذا مثل قوله : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ، وقد فسرناه في البقرة . فإن قيل : كيف سمي الشئ قبل وجوده شيئا ؟ . فالجواب : أن الشئ وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق ، لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد . قوله تعالى : ( والذين هاجروا في الله ) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها نزلت في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلال ، وعمار ، وصهيب ، وخباب بن الأرت ، وعايش وجبر موليان لقريش ، أخذهم أهل مكة فجعلوا يعذبونهم ، ليردوهم عن الإسلام ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو ، قاله داود بن أبي هند . والثالث : أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله قتادة . ومعنى " هاجروا في الله " ، أي : في طلب رضاه وثوابه ( من بعد ما ظلموا ) بما نال المشركون منهم ، ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) وفيها خمسة أقوال : أحدها : لننزلنهم المدينة ، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، والشعبي ، وقتادة ، فيكون المعنى : لنبوئنهم دارا حسنة وبلدة حسنة . والثاني : لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن ، قاله مجاهد . والثالث : النصر على العدو ، قاله الضحاك . والرابع : أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن ، وصار لأولادهم من الشرف ، ذكره الماوردي ، وقد روي معناه عن مجاهد ، فروى عنه ابن أبي نجيح أنه قال : ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) قال : لسان صادق . والخامس : أن المعنى : لنحسنن إليهم في الدنيا ، قال بعض أهل المعاني : فتكون على هذه الأقوال " لنبوئنهم " ، على سبيل الاستعارة ، إلا على القول الأول . قوله تعالى : ( ولأجر الآخرة أكبر ) قال ابن عباس : يعني : الجنة ، ( لو كانوا يعلمون ) يعني : أهل مكة .